ابن الجوزي
6
كشف المشكل من حديث الصحيحين
العرب في الجاهلية إذا أرادوا الصدر عن منى قام رجل من بني كنانة يقال له نعيم بن ثعلبة . وكان رئيس الموسم ، يقول : أنا الذي لا أعاب ولا أخاب ولا يرد لي قضاء ، فيقولون : أنسئنا شهرا ، يريدون : أخر عنا حرمة المحرم واجعلها في صفر ، فيفعل ذلك ( 1 ) . وقال مجاهد : أول من أظهر النسيء جنادة بن عوف الكناني ، فوافقت حجة أبي بكر ذا القعدة ، ثم حج النبي [ صلى الله عليه وسلم ] في العام القابل في ذي الحجة ، فذلك حين قال : « إن الزمان قد استدار كهيئة » ( 2 ) . وقوله : « استدار : » من الدور . والهيئة : الحالة . وسمي الشهر شهرا لشهرته . وقوله : « منها أربعة حرم » إنما سماها حرما لمعنيين : أحدهما : لتحريم القتال فيها ، وكانت العرب تعتقد ذلك . والثاني : لأن تعظيم انتهاك المحارم فيها أشد من تعظيمه في غيرها . قوله : « ذو القعدة » قال ثعلب : إنما سموه ذا القعدة لأنهم كانوا يقعدون فيه ؛ وسموه ذا الحجة لأنهم كانوا يحجون فيه . وأما المحرم فلتحريمه ، وأما صفر فلأنهم كانوا يطلبون الميرة فيه ، يقال : صفر السقاء : إذا لم يكن فيه شيء . وربيع لأنهم يربعون فيها . وجمادى لأن الماء يجمد فيهما . ورجب من التعظيم ، يقال : رجبه يرجبه : إذا عظمه . أما إضافته إلى مضر فلأنهم كانوا يعظمونه أشد من بقية العرب . وقوله : « بين جمادى وشعبان » يحتمل وجهين : أحدهما : التأكيد كما قال : « ابن لبون ذكر » . والثاني : لمكان ما كانوا يفعلونه من النسيء ؛ فإن الأشهر كانت تنقلب بالنسيء .
--> ( 1 ) « معاني القرآن » للفراء ( 1 / 436 ) . ( 2 ) ينظر الطبري ( 10 / 91 ) ، و « الدر المنثور » ( 3 / 236 ) .